يكتب عمرو عدلي أن الجدل الأخير حول منتجع مراسي في سيدي عبد الرحمن يكشف وجهًا جديدًا لسياسات «تصدير العقار» التي تتوسع فيها مصر على الساحل الشمالي، إذ لم يعد أثر ارتفاع أسعار الخدمات الساحلية يقتصر على الطبقات المتوسطة أو محدودي الدخل، بل بدأ يطال شرائح مصرية مرتفعة الدخل اعتادت قضاء الصيف على الساحل.

 

ويرى عدلي أن تحويل الساحل الشمالي إلى وجهة سياحية عالمية تستهدف الأجانب بالدرجة الأولى قد يؤدي تدريجيًا إلى إقصاء شرائح اجتماعية مصرية، بما فيها بعض الأغنياء، عن استخدام موارد طبيعية اعتادوا الوصول إليها.

 

وتناول المقال الذي نشرم موقع المنصة تداعيات نموذج «تصدير العقارات» على مستقبل الساحل الشمالي المصري، مستعينًا بتجارب دولية، وفي مقدمتها منطقة بويرتو ماديرو في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، إلى جانب النموذج الإماراتي ودبي، لطرح سؤال أساسي حول ما إذا كانت المكاسب الاقتصادية المتوقعة من تسويق العقارات للأجانب والسياحة الدولية تفوق تكاليف هذا التحول الاجتماعية والعمرانية.

 

من بويرتو ماديرو إلى الساحل الشمالي

 

في عام 2019، زار عدلي العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، المدينة التي تتميز بجمالها وأشجارها الكثيفة وساحاتها الواسعة وعمارتها الأوروبية الكلاسيكية. ويمر نهر ريو دي لا بلاتا بمحاذاة المدينة بدلًا من شقها من المنتصف، بينما تختفي ضفافه في معظم المناطق عن أنظار المشاة، ولا يؤدي النهر الدور اليومي الذي يؤديه نهر النيل في حياة المصريين.

 

ولهذا السبب، لم تتحول المناطق المطلة على ريو دي لا بلاتا إلى مراكز سياحية رئيسية، باستثناء منطقة بويرتو ماديرو إلى حد ما، حيث ترتفع الأبراج السكنية شاهقة فوق النهر.

 

لكن اللافت، بحسب عدلي، كان أن غالبية الأبراج السكنية في المنطقة بدت خالية تقريبًا من السكان. ولم يظهر عند مداخلها سوى عدد محدود من أفراد الأمن. وعندما سأل صديقه الذي اصطحبه إلى المنطقة عن سبب ذلك، أوضح له أن غالبية أصحاب الوحدات أجانب يزورونها أيامًا قليلة كل عام، إن زاروها أصلًا.

 

وجاء بناء هذه الأبراج ضمن خطة لإعادة تطوير بويرتو ماديرو، لكنها لم تستهدف سكان العاصمة الأرجنتينية بالدرجة الأولى، وإنما استهدفت أجانب يشترون العقارات لقضاء بضعة أيام سنويًا فيها أو لاستخدامها كاستثمار. ويشبه عدلي هذا النموذج بما يعرف في مصر باسم «تصدير العقارات»، حيث تُسوَّق الوحدات العقارية للمشترين الأجانب باعتبارها وسيلة لجذب العملة الأجنبية.

 

وتفرض هذه الوحدات أسعارًا تعد الأعلى في المدينة، وربما من بين الأعلى عالميًا، ما جعلها استثمارًا أكثر منها مساكن مخصصة للإقامة الدائمة.

 

وأثارت ملكية هذه العقارات تساؤلات كثيرة داخل الأرجنتين، إذ انتشرت تكهنات حول هوية المشترين الذين نادرًا ما يظهرون في المدينة. وربطت بعض الشائعات ملكية هذه الوحدات بأمراء حرب من الشرق الأوسط، بينما أشارت أخرى إلى المافيا الروسية، وذهبت تكهنات ثالثة إلى أباطرة المخدرات من البرازيل وفنزويلا وبيرو.

 

وبصرف النظر عن دقة هذه الشائعات، يرى عدلي أن بويرتو ماديرو تقدم نموذجًا لما يمكن أن تفعله عملية تحويل المناطق الساحلية إلى سلعة عقارية، خصوصًا عندما يصبح الهدف الأساسي بيع العقارات بدلًا من تطوير مجتمعات حية تستضيف السكان بصورة دائمة.

 

ويعود السؤال نفسه إلى مصر كل صيف مع موجة الانتقال الموسمية إلى الساحل الشمالي. لكن الجديد هذه المرة، بحسب الكاتب، أن تداعيات سياسات «تصدير العقارات» بدأت تصل إلى الطبقات الغنية نفسها، وهو ما ظهر بوضوح في الجدل الأخير حول إدارة منتجع مراسي في سيدي عبد الرحمن.

 

وتثير هذه الأزمة سؤالًا أوسع حول مستقبل الساحل الشمالي، وما إذا كانت فوائد بيع العقارات للأجانب وتوسيع السياحة الدولية ستتغلب على الأضرار الاجتماعية والعمرانية الناتجة عنها.

 

«تصدير العقارات» قد يقصي الأغنياء أيضًا

 

يعتبر عدلي أن أكثر ما يلفت الانتباه في أزمة مراسي هو أن الاحتجاجات خرجت من شريحة اجتماعية تتمتع بنفوذ وقدرة مالية كبيرة. ولا ترفض هذه الفئة، من حيث المبدأ، تحويل الشواطئ إلى سلعة أو فرض أسعار مرتفعة على الخدمات السياحية الساحلية، لأنها تملك القدرة على الإنفاق.

 

لكن ارتفاع أسعار الخدمات على الشاطئ نفسه أثار صدمة حتى لدى هذه الفئة. فتحولت أنشطة بسيطة مثل النزول إلى البحر إلى عبء مالي كبير، حتى بالنسبة إلى أصحاب الدخول المرتفعة.

 

ويكشف هذا الجدل، وفق الكاتب، أحد السيناريوهات المحتملة لمستقبل سياسة «تصدير العقارات»: تحول الساحل الشمالي تدريجيًا إلى منتج سياحي يستهدف الأجانب بالدرجة الأولى، بما قد يؤدي إلى إقصاء شرائح اجتماعية مصرية متعددة من الاستفادة منه، حتى داخل الطبقات الغنية.

 

وخلال السنوات الأخيرة، تصاعد حضور فكرة «تصدير العقارات» في الخطاب الحكومي المصري، وصولًا إلى إنشاء منصة مخصصة لتسويق العقارات المصرية للأجانب باعتبارها جزءًا من استراتيجية وطنية لجذب العملة الأجنبية.

 

ويأتي مشروع رأس الحكمة في مقدمة هذه التحولات، إذ يرتكز المشروع، الذي تقوده شركة أبوظبي التنموية القابضة، على استثمارات ضخمة وتطوير عمراني وسياحي واسع النطاق، مع تسويق العقارات والوحدات لمشترين من الخارج.

 

ويرجح عدلي أن تنتقل نسبة من الوحدات العقارية على الساحل الشمالي، عاجلًا أو آجلًا، إلى ملكية أجنبية، مستفيدة من قاعدة عملاء مرتبطة بالإمارات، لكنها لن تقتصر على المواطنين الإماراتيين، الذين لا يشكلون سوى نحو 10% من إجمالي سكان الإمارات، بل قد تمتد إلى جنسيات مختلفة، على غرار نموذج دبي.

 

وتشير دراسة حديثة تناولت سوق الإسكان في دبي إلى أن الأجانب يمتلكون 43% من إجمالي قيمة العقارات في المدينة، بينما لا يقيم 68% من هؤلاء المالكين فيها أصلًا.

 

وإذا اتسع هذا النموذج على الساحل الشمالي، فقد تتحول المنطقة تدريجيًا من وجهة صيفية رئيسية للمصريين إلى سوق عقارية وسياحية عالمية، تعتمد بصورة متزايدة على الزوار والمستثمرين الأجانب.

 

وقد يكون من حسن حظ الأغنياء المصريين، وفق السيناريو الذي يطرحه الكاتب، أن يكتفي المشترون الأجانب بامتلاك العقارات بغرض الاستثمار، من دون الإقامة فيها أو زيارتها إلا لفترات محدودة. وفي هذه الحالة، قد تتكرر تجربة بويرتو ماديرو، حيث تنتشر الأبراج الفاخرة والوحدات السكنية التي يمتلكها أجانب غير مقيمين.

 

لكن إذا نجحت رأس الحكمة والمشروعات الأخرى التي تدعمها استثمارات إماراتية وقطرية، وربما سعودية مستقبلًا، في تحويل الساحل الشمالي إلى وجهة سياحية عالمية تشبه موناكو أو المدن الساحلية الفاخرة في فرنسا وإسبانيا، فقد يصبح من الضروري إعادة تخطيط الساحل وإعادة صياغة استخداماته العمرانية بصورة جذرية.

 

وقد تقود هذه العملية إلى استبعاد شرائح مصرية مرتفعة الدخل من الساحل، في تحول كبير بالنسبة إلى الطبقات العليا والوسطى العليا التي اعتادت السياحة الداخلية.

 

ومع الترويج للساحل الشمالي باعتباره «ريفييرا» عالمية، قد يصبح تسعير الخدمات بالدولار أمرًا اعتياديًا، وقد تعجز حتى الطبقات الأكثر ثراءً في مصر عن مواكبة أنماط الإنفاق التي تفرضها السياحة الدولية.

 

وقد يدفع ذلك المصريين الأغنياء إلى العودة نحو الساحل القديم، وربما يؤدي لاحقًا إلى إعادة تطويره هو الآخر وفق النموذج نفسه الموجه إلى السياحة المحلية.

 

الساحل كمصدر للعملة الصعبة

 

لا يرى عدلي أن هذا التحول سيكون بالضرورة سلبيًا على الاقتصاد المصري ككل. فعلى الرغم من الانتقادات المتكررة لتحويل الساحل إلى منتجعات خرسانية تظل خالية معظم العام ولا تنشط إلا خلال شهرين تقريبًا، فإن توجيه موارد الساحل نحو توليد عائدات بالعملة الصعبة قد يحقق فوائد على مستوى الاقتصاد الكلي.

 

وقد يأتي ذلك سواء عبر تصدير العقارات أو عبر التحول من السياحة الداخلية إلى السياحة الدولية، إذ قد يوفر هذا النموذج موارد دولارية تحتاج إليها الدولة بشدة.

 

لكن المشكلة، في رأي الكاتب، تبدأ عندما تتحول «صادرات العقارات» من أداة محدودة لجذب العملة الأجنبية إلى نموذج شامل للتنمية الاقتصادية.

 

ولا تكمن المخاطر في احتمال تقلب تدفقات رؤوس الأموال فحسب، بل أيضًا في طبيعة الاستثمار العقاري نفسه، الذي لا يوفر بالضرورة وظائف مستقرة ومستدامة للعاملين فيه مقارنة بقطاعات اقتصادية أخرى أكثر إنتاجية.

 

ويعيد هذا الجدل إلى الواجهة المخاطر التي سبق أن ارتبطت بالاعتماد على تصدير العقارات كحل للمشكلات الاقتصادية المصرية، لكن أزمة مراسي تضيف بُعدًا جديدًا إلى هذه المخاطر، يتمثل في تعميق الإقصاء من الموارد الطبيعية المصرية.

 

وتظهر المفارقة بوضوح عندما تبدأ أعلى شرائح الدخل في مصر نفسها بمواجهة الإقصاء من بعض المناطق الساحلية، مقابل تحقيق عوائد مالية أكبر للدولة عبر إعادة تعريف استخدام الأرض والفضاء العام.

 

ويختلف هذا النوع من الإقصاء عن صور سابقة طالما ارتبطت بمشروعات إعادة التطوير والتخطيط العمراني، مثل محاولات إعادة تطوير مثلث ماسبيرو، التي طالت بالأساس سكان المناطق الأقل دخلًا.

 

ولسنوات طويلة، ظلت الطبقات المصرية الأعلى دخلًا بمنأى عن آثار عمليات «إعادة التطوير وإعادة التخطيط» التي دفعت فئات فقيرة إلى مغادرة مناطقها.

 

لكن السؤال الذي يطرحه عدلي في نهاية المقال هو ما إذا كان الدور قد وصل الآن إلى الأغنياء أنفسهم، ليجدوا أنفسهم خارج أسوار المنتجعات، إلى جانب الفقراء الذين سبق أن واجهوا المصير ذاته، وكل ذلك تحت شعار تحقيق التنمية وإطالة عمر الاقتصاد المصري.

 

وهنا تكمن المفارقة الأساسية التي يطرحها المقال: قد تحقق سياسات تصدير العقارات عائدات بالعملة الصعبة وتدعم المؤشرات الاقتصادية على المدى القصير، لكنها في الوقت نفسه قد تعيد تشكيل العلاقة بين المصريين وأراضيهم ومواردهم الطبيعية.

 

وبينما يمكن للدولة أن تستفيد ماليًا من ارتفاع قيمة الأراضي والعقارات ومن تدفقات المستثمرين والسياح الأجانب، يظل السؤال الأهم متعلقًا بمن سيستطيع استخدام هذه المساحات مستقبلًا، ولمن سيُصمم الساحل الشمالي في الأساس: للمصريين الذين اعتادوا ارتياده، أم للمستثمرين والزوار الأجانب الذين يستطيعون دفع الأسعار العالمية؟

 

ويرى المقال أن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط شكل الساحل الشمالي، وإنما طبيعة النموذج العمراني والاقتصادي الذي تتجه إليه مصر خلال السنوات المقبلة.


https://almanassa.com/en/stories/33237